الجدار في ظل الجسد

رائدة سعادة، ذاهبة الى المدرسة2013

نيروز أبو حاطوم: فلسطينيّة، باحثة وطالبة دكتوراه في مجال علم الإنسان في جامعة يورك في كندا.

تصوير النساء أمام جدار الفصل العنصري في فلسطين هو ليس بمجّرد تصوير لمشهد يعّجُ بالتناقضات، وكأن النساء رمز السلام والجدار رمز الحرب. هنالك تناقضات صوريّة، لكنها لا تكمُنُ في ماهية هذه المنظومة الثنائيةسلام  وحرب، وإنما في ما هو مُغيّب وما هو ظاهر وفي زعزعة مفاهيم المكان والزمان. فهنالك علاقة خاصة بين المشهد (أقصد المنظر) والتواصل الحسي مع مفهوم الوطن والجسد. المشهد هو امتداد لمفهوم الوطن فالوطنيّة أُسست على فرض علاقة بين المناظر البيئية أو الأثريّة أو المدنيّة أو القرويّة والحس الوطني. فأصبحتأهرامات مصر في الجيزة على سبيل المثال رمز الدولة المصريّة الحديثة، كما وبات نهر النيل وقناة السويس رموزا لنفس الدولة. وتحوّلت مساجد إسطنبول رمزاً لتاريخ وهويّة المدينة، كما أصبحت الاسوار التاريخية لمدينة عكا رمزاً لانتماء أهلها لها. وهكذا هو جدار الفصل العنصري في فلسطين، يفرض نفسهُ كجزءً لا يتجزأ من المشهد المحلي.   

ان لبناء الدولة الإسرائيلية جدار الفصل العنصري أسباب كُثر. فقمع شعب من منظر شروق الشمس أو غروبها سبب، وحظر تحركات شعب ما بين مُدنهِ وبلداتهِ سبب أخر، هذا الى جانب بناء الجدار على أراضي الفلسطينيين وبالتالي تصدير وسرقة أراضيهم ومنعهم من الوصول اليها خلف الجدار. لكن تغريب المشهد الفلسطيني عن سكانه هو وسيلة أخرى لفرض واقع جديد في ظل احتلال استعماري. فما القصد بتغريب المشهد الفلسطيني عن سُكانه؟

في سيرورة التغريب القسري يتحول المكان في عين سكانه من مكان مألوف الى مكان غير مألوف الى مكان غريب-  وكأنها الغربة. فالمشهد الفلسطينيّ المألوف على سبيل المثال يتكون من سلاسل زراعية، أشجار زيتون، البحر، وقرى وبلدان تمتد على منحدرات التلال وأكثر. لكن في بناءها للجدار الفاصل شوّهت الدولة الإسرائيلية المشهد الفلسطيني المألوف وصبغتهُ بطابع رمادي يغيّب الألفة أو العلاقة الحميمة التي شيّدها الشعب الفلسطيني مع الأرض على مدى التاريخ.

المشهد ليس بثابت بل متحرك ومتحوّل. لكن طالما هذه التحولات تكون تدريجية وبطيئة توافقاً مع تراتبية القوى لسكان المكان. وتكون تحولات المشهد فظّة إذا كانت نتيجة كوارث طبيعية أو نتاج لتراتبية أو فجوات قوى عميقة كالرأسمالية أو الاستعمارية والتي فيها تفرض هذه القوى وجودها على المشهد من غير التواصل مع أولئك الذين واللاتي يعيشنَ في محيطيه.  فالمستوطنات الإسرائيلية هي مثال على ذاك التحوّل كونها مبنية على أراضٍ سُرقت من شعبهابنمط أوربيّ لا يتوافق مع المحيط الفلسطينيّ الذي يُحيطها من ناحية أسلوب البناء ومن ناحية التعامل مع الأرض في عملية البناء. فمثلاً يتم قص أعالي التلال والجبال لتسهيل عملية بناء الاحياء الإستيطانية مما يغّير المشهد وتضاريسه من تلال وجبال. وهذا البناء الأوروبي مثلاً ما يُسهّل على الناظر ملاحظة التفاوت والتباعد بين نمط البناء الشرق-أوسطي التقليدي وذاك الأوروبي-الاستعماري.

من الصعب التماثل والتماهي مع مشهد يُذكّر الناظرة اليه بالسجن. ومن الأصعب التواصل مع المشهد الذي لا يسمح في تأمل المستقبل بتعدد احتمالاته. مشهد كهذا يحصر خيال سكانهِ ويطغي عليهم الشعور بالغربة من محيطهم وكأنهم يعيشون في مكان غريب وكأنهم يعيشون الغُربة في بلادهم. فكيف من الممكن للفنانات والفنانين الفلسطينيين التعامل مع هذا المجسّم مع بشاعته وعنفه؟

تظهر هذه التناقضات والإشكاليات المرئية التي يفرضها الجدار على المشهد في عمل عدة فنانات فلسطينيات تعاملن مع الجدار في أعمالهن الفنيّة. سوف أتطرق في هذا المقال إلى عمل الفنانتين سمر حزبون، وهي مصورة وفنانة فلسطينية من بيت لحم، ورائدة سعادة ، فنانة فلسطينية من أم الفحم. كلتا الفنانات يتناولن المرأة الفلسطينيّة والاحتلال الإسرائيلي في عملهن الفني. في الأعمال لحزبون وسعادة يظهر الجدار من منظار الجسد النسائي والحيّز النسائي وكأن الجدار هو الظّل أو في ظل الجسد.

إن عمل سمر حزبون "قبل\أمام الجدار" يصوّر ما تصفهُ الفنانة بأخر جيل فلسطيني يولد قبل إنهاء بناء الجدار. وبالتالي هو عملٌ يتطرق الى موضوعي المشهد والزمن في حضرة الجدار. في عملها التصويري نرى الجدار من خلال فسحات لم تُستكمل بعد وكأنّ الوقت قد توقف للحظات كي يسمح لنا التأمل في الموقف لحظات قبل الانتقال الى المرحلة القادمة، مرحلة ما بعد إقفال الجدار وحجز وتغييب سكان المنطقة وراء سجن عديم السقف. في "قبل \أمام الجدار" صوّرت سمر نساء لبسن الأسود وبنات لبسن الأبيض أمام فسحات الجدار الرمادي ليظهر التناقض الفاضح بين وعود نُضر البدايات ووحشية النهايات في انتزاع الأمل. نساء في السواد يوحينَ بفكرة الحداد والحزن وكأنهن يحدّنّ على تراكمات لفقدان حالي ومستقبليّ في آن واحد، وكأن وحدهنّ شهدنّ الأفق بلا جدار. أما الجيل الواعد من الأطفال لبسَ الأبيض تفاؤلاً بمستقبل لربماً فيه يُحرَر المشهد من قيود العسكرة، أو سعياً لمستقبل فيه للنساء وزن اجتماعي وسياسي أكبر. ويأتي هذا العمل بمقولةٍ رمزيّة لربما كردٍ على تعامل الدولة الإسرائيلية مع أرحام النساء الفلسطينيات كتهديد ديموغرافي لكينونة الدولة الإسرائيلية صاحبة الأغلبية العرقية والدينية اليهودية.   

للحدود علاقة قُرب مع الحداد. صلة كامنة، لربما من الصعب فهمها لكنها قوية. فمثلاً للحدود والحداد علاقة نحوّية، تربطهم علاقة الجذر الثلاثي "حدّ". حين نُحاصر أو نُحصَر خلفَ حدود فاصلة نفقد الكثير. فعُقب احتلال أرض فلسطين فُصل الوطن العربي عن فلسطين جغرافياً كما وفُصل الفلسطينيين عن وطنهم، فبعضهم هُجّر والأخر بات في شتات في أرضه من غير تواصل جغرافي، عائلي أو ثقافي مع الوطن العربي. وما تبقى سوى ذكرى لفقدان عميق.

هنالك تلميح في عمل سمر حزبون لموضوع حتمية اختراق الجدار للجسد كما يخترق بيوت الناس وأراضيها وشوارعها. فإذا كان الجسد امتداد النفس والارض فالجدار يخنق الجسد والنفس كما يخنق الأرض. ونلحظ هذا الامتداد أيضاً في عمل الفنانة رائدة سعادة التي تشيّد جسدها امتدادا للأرض.

تتناول الفنانة رائدة سعادة الجدار من خلال الجسد النسائي كما فعلت سمر حزبون. لكن في عمل رائدة سعادة الجسد النسائي هو جسد الفنانة نفسها. فتصّور نفسها أمام الجدار في وضعيّة تخاطب فيها عبثية فكرة الحدْ أو الفصل. في تصويرٍ بعنوان "يوماً ما" نرى الفنانة بالرداء الأسود تجُر الجدار بحبلٍ طويل لُفّ على ذراعها. في هذه الصورة تظهر ملامح وجه الفنانة وكأنها تستمد القوة من فكرة إزالة الجدار وكأن هذا المشهد مألوف أو لا بُدّ أن يحصل أو حتى أنه يكادُ أن يحصل. ويأتي هذه العمل في حوار مع المشاهِد الأخرى لعمل الفنانة. وتوحي مركزية النساء في هذه الاعمال أهمية دور النساء في اختراق الأدوار الاجتماعية كما تخترق الحواجز العسكرية.

في تصوير أخر بعنوان "ملاك" تظهر الفنانة كملاك قد علِقَ جناحُهُ في الجدار وكأنهُ إحتُجِز في بُنيَة وتركيبة الجدار فبات جزءاً من الجدار ومن هذا العالم الدنيويّ. وباختلاف لأعمالها الأخرى، لا جنسبمعنى ذكر أو أنثى،أو دور إجتماعي للملاك، فهو كائن لا يُحسب على الجنس الإنساني إنما الفوق إنسانيلهذا هو فوق الجندر أو النوع الاجتماعي). وإذا نظرنا الى رمزيّة الملاك فهو يوحي بالبراءة والتواصل مع عالم الغيب أو عالم ما أخر غير محصور في المفاهيم المادية أو الفيزيائية. لكن قوّة هذا العمل تنبع من ربط عنصر من عالم الغيب مع عنصر من العالم المادي والحسّي. فالجدار ذاك المبنى الحجري الصلب استطاع حتى أن يحجزَ جناح عنصرٍ ليس مكنوّن من مادة ملموسة. وهنا التطرق ليس الى عامل الوقت كعمل سمر حزبون الفنيّ، إنما الى جدليّة المادة وما بعد المادة أو ما خلف العالم المادي.

يعود الواقع السريالي فارضاً نفسهُ في عمل رائدة سعادة بعنوان "ذاهبة الي المدرسة". وفي هذا العمل تظهر صورة الفنانة من الخلف وهي برداء طالبة مدرسة تسير بمحاذاة الجدار حاملة حقيبتها المدرسيّة التي لربما تحملُ كتباً وزوادّة الى جانب سلّم طويلٍ يوحي برحلة الطالبة اليومية الى مدرستها التي تتطلّب التسلق على الجدار لأن المدرسة تقع في الجهة الأخرى من البيت. ويظهر الجدار في هذا التصوير كبشع ظالم، ولكن الفتاة تبدو غير مبالية لكونها تخترق الجدار يومياً ليصبح ممارسة يومية لنقل عامودي في ظل عراقيل عامودية. فتعثرنا اليومي في الجدار يخترق حدود اعتياديةِ الحياة اليومية. لهذا تخطيه الآني عبر سلّم يُظهر الاستهزاء والسخرية من بنيتهِ العسكرية. فيختلط الجسد والجدار في مزيج حتميّ ليس فقط لكون الجدار فاصل في مسار الجسد بل لان الجدار امتداد لاحتلال استعماري يتخلخل حتى في الجسد واختراقهِ لا يتم إلا عبر الجسد.      

 

المراجع:

1)      يمكن القراءة والتمعن في عمل سمر حزبون في موقعها الإلكتروني:

www.samarhazboun.com

 

2)      أعمال رائدة سعادة عن الجدار نُشرت في كتاب في اللغة الإنكليزية:  

Kiang-Snaije, Olivia, Mitchell Albert, Raja Shehadeh, et al.

2013

Keep Your Eye on the Wall: Palestinian Landscapes. London: Saqi Books.

 

 

                                                                                                                          

سمر حزبون:  صور من موقع الفنانة على الانترنت:

صورتان بعنوان "قبل\أمام لجدار 2012"
“Before the Wall” 2012

 http://samarhazboun.com/before_the_wall