كأنه نحيب وعويل خافت، أسمعه. كأنه آتٍ من سوريا، كأنه سوريا. لا أعرف الكثير عن البلاد، لا اعرف الكثير عن أحوال ناسها ومزاحهم مع بعضهم البعض، لا أعرف سوى ما يريدني النظام أن أعرف. كل شيء على ما يرام والدراما السورية في أحسن حالاتها والناس لا يموتون جوعاً وأصلاً أي سؤال عن آمر آخر لا يردّ النظام عليه، يطرأ عليه طرش مفاجئ وكلما أمعنت في السؤال كلما تتحول ردة الفعل من طرش إلى عنف. ولا أعتقد أنّ هناك مَن لم يسمع عن العنف في سوريا، سوى السوريين/ات أنفسهم/ن نظراً إلى تعرضهم اليومي إليه.
بيروت تبدو مريحة مقارنةً، بيروت يتمشى فيها الآلاف لإسقاط النظام ويلحقون موعد السهرة بعد التظاهر في الليل وينامون في أسرّتهم بوداعة الأطفال. أذكر بيروت وهي مزروعة بآلاف الجنود السوريين، وتعود بي الذاكراة الى الحقبة التي كنا نعيش فيها رعب الحواجز المنتشرة، وبالتحديد “صف ع اليمين” و”فتاح الصندوق” و”الهوية”. تعود بي الذاكرة الى أناس فقدهم الحي الذي كنا نقطنه ولم يستطع أحد أن يستفقدهم إلى أن خرج البعض منهم، ولم يعاتبوا أهل الحي على النسيان.
تعود بي الذاكرة الى لحظات حاسمة مع أمي أو مع أصدقائي عند الحواجز، وليالٍ كنا نستمع فيها إلى قصص عن الأمور التي كانت ترتكَب باسم (كما كنا نسميها) “قوات الرعب” والتي كان يستقوي بها الناس على بعضهم البعض. أتذكر بالتحديد مرةً عندما شب شجار أحمق بين أبي وجارنا بسبب صفة السيارات. الجار “جيب السوريين “ لأبي. أتذكر محاولات أمي البائسة لتربيتنا عندما نقلل أدبنا على بعضنا البعض “ولله بجبلكون السوريين”. هذه الذاكرة محفوظة عندي وأكثر، قصص شهدتها ورأيتها بأم عيني، لا أتكلم عنها كثيراً، استغل السياسيون والناشطون اللبنانيون المعادون للنظام السوري هذه القصص وحوّروها وحرّفوها وانتزعوها من محيطها ولصقوا بها تهمة على السوريين أجمعين. أخون ذاكرتي لأنّ هناك “مرضاً” يدعى العنصرية في لبنان وهو يخلط بين العنف الذي مورس من قبل النظام السوري في لبنان وبين الشعب السوري وخصوصاً العمال الذين يستحملون “قرف العنصرية” في لبنان على العيش والعمل في سوريا.
في بيروت وحباً للشعب السوري أفكر في التضامن مع الشعب السوري غير أنّ النظام يحمي سفارته من أي نشاط تضامني، بمظاهرة مؤيدة للنظام في حال تأهب لن تتوانى عن ضربك وإلحاق الأذى بك تماماً كما يجرى داخل سوريا، لتوضح شيئاً واحداً وحقيقة مطلقة واحدة، أنه منذ عزلت سوريا والسوريين/ات عن العالم في ال١٢من آذار (مارس) ١٩٧١ لن يكون باستطاعة احد مد جسر للتواصل والتضامن قبل أن يسقط النظام وتفتح ثغرات منه وممرات آمنة من داخل السوريا وبدعوة من الشعب السوري للتضامن والمساعدة والتي بدأت بوادرها في ١٥ من آذار ٢٠١١. ربما في هذه الأثناء علينا أن نعيد سوريا إلينا وذلك عبر انتزاع شعبها من أفكار وخطابات قوى ١٤ و٨ آذار وإبقاء النظام لهم/ن، كونه السابق وهم/ن اللاحقون/ات.
من يريد إسقاط النظام اللبناني عليه أولاً أن يعيد إنعاش ذاكرته وأن يتذكّر جيداً كيف كان العيش تحت النظام السوري في لبنان (وكلنا نعلم أن اللبنانين كانو مدللي النظام مقارنةً بالشعب السوري نفسه) وأن يتوجه فوراً الى أقرب عامل وعاملة سوريين ويعتذر منهم عما بدر ويبدر من “شعبنا اللبناني” و”النظام” ضدهم الذي بدأ بالاستغلال الاقتصادي لهم، مروراً بنفي صفة الانسانية عنهم وتجاهل أوضاعهم المعيشية انتهاءً باسترخاص حياتهم وتعريضهم إلى القتل كلما سنحت لنا الفرصة (تماماً كنظامهم) وأن يعمل على دعم ما يحصل في سوريا بكل ما لدينا بقوة، فإسقاط النظام الطائفي يبدأ في دمشق.
Publisher:
Section:
Category: